محمد بن علي الشوكاني

5490

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

نومة فاستيقظ وقد ذهبت راحلته ، فطلبها حتى إذا اشتد عليه الحر والعطش أو ما شاء الله ، قال : أرجع إلى مكاني الذي كنت فيه فأنام حتى أموت ، فوضع رأسه على ساعده ليموت ، فاستيقظ فإذا راحلته عنده عليها زاده وشرابه ، فالله تعالى أشد فرحا بتوبة العبد المؤمن من هذا براحلته " . قلت : الفرح منه عز وجل بتوبة عبده ، هو لعظيم لطفه به ومزيد رأفته عليه لسلامته - بتوبته - من العذاب الأليم ، وهذا هو من رحمته عز وجل لعباده ، ولهذا صح عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ حاكيا عن الرب عز وجل أنه قال : " سبقت رحمتي غضبي " ( 1 ) ومعلوم أن نفع هذه التوبة هو للعبد ، كما أن ضر تركها هو عليه ، وليس للرب تعالى وتقدس في ذلك نفع ، ولا عليه سبحانه في خلافه ضرر ، فليس بين هذا الحديث وبين حديث الباب تعارض . والمراد بالفرح المنسوب إلى الرب عز وجل هو : الرضا بما وقع من ذلك العبد ! البالغ إلى أشد من الرضا الحاصل لواجد تلك الضالة عند وجودها ( 2 )

--> ( 1 ) أخرجه البخاري رقم ( 7553 ) ومسلم رقم ( 2751 ) . ( 2 ) نجد أن الشوكاني لم يلتزم بالمنهج الذي ذكره في " التحف في مذاهب السلف " وهي الرسالة رقم ( 3 ) من " الفتح الرباني " ( ص 259 - 260 ) . فقد قال : ونعرف أن مذهب السلف من الصحابة رضي الله عنهم والتابعين وتابعيهم هو إيراد أدلة الصفات على ظاهرها ، من دون تحريف لها ، ولا تأويل متعسف لشيء منها ، ولا جبر ولا تشبيه ولا تعطيل يفضي إليه كثير من التأويل . وقال الدكتور محمد حسين الغماري في " الشوكاني مفسراً " أن الشوكاني رجع عن بعض هذه التأويلات في رسالته التحف لأنها من آخر ما ألف ولم يؤيد ما ذهب إليه بأي دليل إلا حسن الظن به . * ونقف معا على أسس سليمة وقواعد مستقيمة : 1 - أن أسماء الله وصفاته توقيفية ، بمعنى أنهم لا يثبتون لله إلا ما أثبته الله لنفسه في كتابه أو أثبته له رسوله في سنته من الأسماء والصفات ولا يثبتون شيئا بمقتضى عقولهم وتفكيرهم ، ولا ينفون عن الله إلا ما نفاه عن نفسه في كتابه أو نفاه عنه رسوله في سنته . لا ينفون عنه بموجب عقولهم وأفكارهم ، فهم لا يتجاوزون الكتاب والسنة ، وما لم يصرح الكتاب والسنة بنفيه وإلا إثباته ، كالعرض والجسم والجوهر ، فهم يتوقفون فيه بناء على هذا الأصل العظيم . 2 - أن ما وصفه الله به نفسه أو وصفه به رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فهو حق على ظاهره ، ليس فيه أحاج ولا ألغاز بل معناه يعرف من حيث يعرف مقصود المتكلم بكلامه ، فأهل السنة يثبتون ألفاظ الصفات ومعانيها ، فليس ما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من المتشابه الذي يفوض معناه ، لأن اعتبار نصوص الصفات مما يفهم معناه يجعلها من الكلام الأعجمي الذي لا يفهم ، والله تعالى قد أمرنا بتدبر القرآن كله ، وحضنا على تعقله وتفهمه ، وإذا كانت نصوص الصفات مما لا يفهم معناه ، فيكون الله قد أمرنا بتدبر وتفهم ما لا يمكن تدبره وتفهمه وأمرنا باعتقاد ما لم يمكن تدبره وتفهمه وأمرنا باعتقاد ما لم يوضحه لنا تعالى الله عن ذلك . إذا ، فمعاني صفات الله تعالى معلومة يجب اعتقادها ، وأما كيفيتها فهي مجهولة لنا ، لا يعلمها إلا الله تعالى ، ولهذا يقول الإمام مالك بن أنس رضي الله عنه لما سئل عن قوله تعالى : ( الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ) [ طه : 5 ] . كيف استوى ؟ قال : " الاستواء معلوم ، والكيف مجهول ، والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة " . وما قال الإمام مالك في الاستواء هو قاعدة في جميع الصفات ، وهو قول أهل السنة والجماعة قاطبة ، فمن نسب إلى السلف أنهم يفوضون معاني الأسماء والصفات ، ويجعلون نصوصها من المتشابه الذي استأثر الله بعلم معناه فقد كذب عليهم ، لأن كلامهم يخالف كلام هذا المفتري . 3 - السلف يثبتون الصفات إثباتا بلا تمثيل ، فلا يمثلونها بصفات المخلوقين لأن الله ليس كمثله شيء ، ولا كفء له ، ولا ند له ، ولا سمي له ، ولأن تمثيل الصفات وتشبيهها بصفات المخلوقين ادعاء لمعرفة الموصوف والله تعالى لا يعلم كيفية ذاته إلا هو والكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات ، فكما أن لله ذاتا لا تشبه الذوات ، فكذلك له صفات لا تشبه الصفات : ) لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ) [ الشورى : 11 ] ، أي لا يشبهه أحد لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله ، فيجب الإيمان بما وصف الله به نفسه ، لأنه لا أحد أعلم من الله بالله : ( أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ ) [ البقرة : 140 ] ، فهو أعلم بنفسه وبغيره . كما يجب الإيمان بما وصفه به رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، لأنه لا أحد بعد الله أعلم بالله من رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الذي قال الله في حقه : ( وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى ، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ) [ النجم : 3 - 4 ] . فيلزم كل مكلف أن يؤمن بما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وينزه ربه جل وعلا من أن تشبه صفته بصفة الخلق . 4 - وكما أن أهل السنة والجماعة يثبتون لله الصفات التي وصف بها نفسه أو وصفه بها رسوله على وجه يليق بجلاله ولا يشبهونه بخلقه ، فهم ينزهونه عن النقائص والعيوب تنزيها لا يفضي بهم إلى التعطيل بتأويل معانيها أو تحريف ألفاظها عن مدلولها بحجة التنزيه ، فمذهبهم في ذلك وسط بين طرفي التشبيه والتعطيل ، تجنبوا التعطيل في مقام التنزيه وتجنبوا التشبيه في مقام الإثبات . 5 - طريقة أهل السنة والجماعة فيما يثبتون لله من الصفات وما ينفون عنه من النقص هي طريقة الكتاب والسنة ، وهي الإجمال في النفي والتفصيل في الإثبات كما في قوله تعالى : ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ) [ الشورى : 11 ] . فأجمل في النفي وهو قوله تعالى : ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ) وفصل في الإثبات وهو قوله تعالى : ( وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ) وكل نفي في صفات الله فإنه يتضمن إثبات الكمال ، وليس هو نفيا محضا ، لأن النفي المحض ليس فيه مدح لأنه عدم محض والعدم ليس بشيء . ومن أمثلة النفي المتضمن لإثبات الكمال : قوله تعالى : ( وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا ) [ الكهف : 49 ] أي : لكمال عدله سبحانه . وقوله : ( وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا ) [ البقرة : 255 ] أي : لكمال قدرته وقوته . وقوله : ( لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ ) [ البقرة : 255 ] أي : لكمال حياته وقيوميته . " الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد والرد على أهل الشرك والإلحاد " ( ص 149 - 152 ) . وانظر : " الرسالة في اعتقاد أهل السنة " ( ص 403 ) ، " مجموع الفتاوى " ( 6 / 518 ) .